Wednesday, January 11, 2012

كتاب: من أجل مقاربة جديدة لنقد القصة القصيرة جدا ( المقاربة الميكروسردية)

المبحث السادس: المعيار الدلالي:


على الرغم من قصر حجم القصة القصيرة جدا فإنها قادرة على رصد القضايا الجادة والمصيرية وطرح الأسئلة الكبيرة كما يقول نجيب العوفي في مقال بعنوان:" القصة القصيرة والأسئلة الكبيرة" ، إذ تناولت في مسارها قضايا اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية ومحلية وجهوية ووطنية وقومية وإنسانية علاوة على مناقشتها لقضايا الذات والواقع الموضوعي، والتركيز على القضايا الشائكة كالعولمة والحروب وواقع المهمشين واللاجئين والمشردين، وتصوير الصراع العربي الإسرائيلي، ورصد الاستبداد في علاقته بالعدالة الاجتماعية ومنظمة حقوق الإنسان، وتصوير جدلية الذكورة والأنوثة، وتجسيد أزمات العالم وتشخيص أدوائه وطرح مقاربات العلاج، والانفتاح على العالم الرقمي والتقاط صور الامتساخ البشري واستلابه قيميا وحضاريا وأخلاقيا ووجوديا.
ينبني المعيار الدلالي على مجموعة من المحكات والمقاييس التي يمكن الاستعانة بها من أجل بناء القصة القصيرة جدا، ومن هذه المقاييس الدلالية نذكر:


* مقياس التشخيص:


على الرغم من كون القصة القصيرة صغيرة الحجم ، فإنها تطرح أسئلة كبرى جادة وجدية ومصيرية وهامة. لذا، يمكن الحديث عن أنواع ثلاثة من التشخيص:


- التشخيص الذاتي:


من أهم مميزات القصة القصيرة جدا على المستوى الدلالي أنها شخصت الذات الإنسانية سواء أتعلقت بذات المبدع أم بالذات الغيرية تشخيصا إيجابيا وسلبيا، لكنها كانت في الغالب تنقل لنا الذات في انكسارها وانبطاحها وذوبانها وجوديا وثقافيا وحضاريا وقيميا وأخلاقيا، كما صورت لنا الذات وهي تتصارع مع نفسها تمزقا وتآكلا وانهيارا ، كما كانت تتصارع مع الواقع الموضوعي في تناقضاته الجدلية.
لقد عكست القصة القصيرة جدا سيزيفية الإنسان وعذابه التراجيدي وسقوطه المأساوي وانتظاره اللامعقول. فتعددت الرؤى الفلسفية تجاه الذات التي أصبحت مرقمة كما عند فاطمة بوزيان في مجموعتها:" ميرندا"، أو ذاتا ممتسخة كما في مجموعة :" وقع امتداده ... ورحل" ، أو ذاتا منهزمة متقاعسة عن النضال والجهاد والكفاح كما عند وفاء الحمري في مجموعتها:" بالأحمر الفاني" وعند الحسين زروق في مجموعته: " الخيل والليل" . وصارت أيضا ذاتا اجتماعية محبطة كما في مجموعة:" عندما يومض البرق" للزهرة رميج، أو ذاتا متحجرة افتقدت إنسانيتها كما عند عبد الحميد الغرباوي في مجموعته القصصية: " أكواريوم"، أو ذاتا شبقية كما عند هشام بن الشاوي في مجموعته :" بيت لاتفتح نوافذه" ، و عبد الله المتقي في مجموعته: " الكرسي الأزرق"، أو ذاتا شعبية مهشمة كما عند حسن برطال في مجموعته " أبراج"، أو ذاتا فقدت براءتها وطفولتها كما عند عزالدين الماعزي في مجموعته:" حب على طريقة الكبار"، أو ذاتا تعاني من التضخم الذهني كما في مجموعة مصطفى لغتيري:" مظلة في قبر"...


- التشخيص الموضوعي:


تناولت القصة القصيرة جدا مجموعة من القضايا الموضوعية الجادة كالقضايا المحلية والقضايا الجهوية والقضايا الوطنية والقضايا القومية التي تتعلق بمشاكل الأمة، كما تناولت هذه القصة الجديدة قضايا كونية وعالمية وإنسانية وبيئية. كما حملت هذه القصص رؤى رومانسية وواقعية وطبيعية وسريالية ووجودية وحدسية وصوفية وعبثية وإسلامية.
هذا، وقد عبرت هذه القصص المستحدثة عن مجموعة من القيم الإنسانية السلبية والإيجابية من خلال رؤى فلسفية تختلف من مبدع إلى آخر.
ومن أهم القضايا الكونية التي شخصتها القصة القصيرة جدا ظاهرة العولمة التي أصبحت امتساخا حضريا وأخلاقيا ، إذ نجد الكاتبة المغربية فاطمة بوزيان في آخر مجموعتها :" ميريندا" تثور صارخة على العولمة التي غيرت مجموعة من القيم الاجتماعية والأخلاقية في مجتمعنا العربي؛ فألقت شبابنا بين أحضان التغريب والانبهار والاستلاب والتقليد الأعمى للغرب في القشور السطحية والموضات التافهة والتقليعات الشكلية بدون تفكير أو روية:


" كلما هم بالكتابة تكسر الطباشير أو أصدر صريرا يقشعر له ما تبقى في رأسه من شعر...اغتاظ والتفت إلى يمينه قائلا:
- اتفو، في زمن العولمة يسلموننا أرخص طبشور!
أتم كتابة الدرس بصعوبة... التفت إلى تلاميذه وجد الذكور يلعبون بأقراط آذانهم والإناث مشغولات بأقراط سراتهن..التفت إلى يساره وبصق على العولمة."


و خصص الحسين زروق مجموعته القصصية " الخيل والليل" للتنديد بالحرب تخطيبا وتمطيطا من خلال استحضار مآسي واقع الأمة العربية الإسلامية الذي يئن من وطأة الاستعمار، ويتألم من بطش الغطرسة الصهيونية، ويعاني من تشريد الشعب الفلسطيني ومن تمزق العرب إربا إربا كما في قصة:


" الابن: أماه أين أبي؟
الأم: مسافر ياولدي.
الابن: ومتى سيعود أماه؟
الأم: لاأدري ياولدي.
وبعد شهور...ومع استمرار الحرب.
الابن: أماه لماذا لم يعد أبي؟
الأم: لاأدري ياولدي.
بعد سنة...والحرب تزداد شراستها...
الابن: لماذا لانسافر أيضا يا أماه؟
الأم: ربما نفعل يا ولدي.
الابن: ومتى يا أماه؟
الأم: لا أدري يا ولدي.
وفي أول غارة كان القصد منها شل الحركة الطبيعية للأحياء سافر الابن ولم تضع الأم مزيدا من الوقت... بل سارعت لشراء تذكرة سفر... صارت تملك بندقية"


ويلاحظ أن الكاتبة المغربية وفاء الحمري في أضمومتها القصصية تنبع من مستند قومي إنساني حيث تتعاطف مع القضية الفلسطينية تعاطفا وجدانيا وانفعاليا وأخلاقيا، فتلتقط تفاصيل الحياة اليومية للإنسان الفلسطيني ، ثم تنقل لنا ما يمارس ضده من حروب وحشية ومجازر همجية باسم الاحتلال والتنكيل والإقصاء كما في قصة"أنقاض" .
كما تصور لنا الكاتبة بريشتها المختزلة مشاهد الطفولة المغتصبة، فتعكس لنا الموت الفلسطيني المترنح بسبب كثرة القتلى وتكدس جثث ضحايا الاستشهاد كالأكوام المفعمة بالمأساة والتراجيديا القاتلة التي تتجادل فيها ثنائية الأرض والسماء أو ثنائية الدنيا والآخرة:


" جلس شيخ على ربوة من أنقاض بعد انفجار صاروخ...
مر به صبي...
أين أهلك ياعمي؟
هنا تحت
وأهلك يا صغيري؟
هناك فوق في السماء
نظر إلى بعضهما البعض بأسى
وبقي السؤال الآخر معلقا بين السماء والأرض"


وعليه، فالقصة القصيرة جدا تناولت كل المواضيع اليومية بمافيها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية ، كما ركزت أيضا على المواضيع المحلية والجهوية والوطنية والقومية والإنسانية والكونية.
ومن ثم، فقد اكتفت بعض القصص القصيرة جدا بالوصف وتشخيص الأدواء والعيوب والنواقص، بينما راحت أخرى لتقدم حلولا كان تطبيقها يتراوح بين الكائن والممكن والمستحيل.


- التشخيص الميتاسردي:


لم تكتف القصة القصيرة جدا بتشخيص الذات والواقع فقط، بل شخصت كينونتها الفنية والجمالية من خلال طرح أسئلة جوهرية وميتاسردية تتعلق بدواعي انكتابها وطرائق إبداعها، ووظيفتها في المجتمع ، والبحث عن ماهيتها النظرية والتطبيقية ، ورسالتها في الحياة. أي إن القصة القصيرة جدا بدأت أيضا تفكر في نفسها على غرار الأجناس الأدبية والفنون الأخرى كالرومانيسك بالنسبة للرواية ، والميتاقصة بالنسبة للقصة القصيرة، والميتامسرح بالنسبة للمسرح ، والسينما داخل السينما. واليوم ، أصبحنا نتحدث عن قصصية القصة القصيرة جدا أو الميتاميكروسردي.
وإليكم بعض النماذج التي رصدت فيها القصة القصيرة جدا نفسها ووضعية انكتابها وكيفية تقبلها من الذات المبدعة والذات القارئة. يقول حسن البقالي في قصته:" دمى روسية":


" لاشك أن الأمر يتعلق بانتهاك فادح لروح الإبداع ، أن أسود الصفحات، لالشيىء، إلا لأن الناشر ينتظر مني العمل الجديد الذي وعدت به في لحظة حماسة زائدة.
لذلك، وعوض الخمسمائة صفحة الموعودة، سأكتفي برواية من مائة صفحة، بل بقصة قصيرة من ثلاث صفحات، وفي النهاية، لم لا أحصر اهتمامي في قصة قصيرة جدا من سطر واحد تكون كالتالي:
" أخيرا...كتبت قصة قصيرة جدا".
ونورد في هذا الصدد نموذجا آخر لفاطمة بوزيان بعنوان:" قصص قصيرة جدا" فيه سخرية ومفارقة إبداعية ورمزية موحية:


" قرأت عليهما كل ذلك
قال:
- إنها تشبه بوكاديوس
قالت:
- تشبه النسكافيه
قال:
- تشبه الكليبات
قالت:
- تشبه
قلت
- نسميها ميريندا ونرتاح"
ومن هنا، نجد أن القصة القصيرة جدا قد شخصت الذات الإنسانية في آلامها وآمالها، كما شخصت الواقع في سلبياته وإيجابياته، ولم تنس أن تشخص مكوناتها الفنية والجمالية نقدا و تساؤلا على المستوى الميتاسردي.


2- مقياس الجرأة:


تتميز القصة القصيرة جدا بخاصية الجرأة في تناول المواضيع المحرمة كالتقاط المواضيع الجنسية وتكسير الطابوهات الدينية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية. أي إن هذا الفن المستحدث بدأ يتغلغل في خبايا الذات الإنسانية شعوريا ولاشعوريا من أجل تشخيص المكبوتات وتعرية الجسد ، كما استطاعت هذه الكبسولة الجديدة أن تفضح السياسة المطلقة لحكام هذا الزمان ،وتقف في وجه الذين يستغلون الدين نفاقا ورياء وتخديرا، كما سلطت ريشتها الإبداعية على كل المشاكل الواقعية التي عاشها الإنسان في تفاصيلها الجزئية.
هكذا، نجد الكاتب المغربي هشام بن الشاوي يستهل أضمومته السردية الجديدة :" بيت لاتفتح نوافذه..." باستدعاء مجموعة من المشاهد الإيروسية التي تعبر عن ذكريات السارد الغرامية ومغامراته الماجنة مع الجنس الآخر، فيلتقط الراوي صورة عشيقته الولهانة بشعره وحماقاته الإبداعية ؛ مما سيدفع به المآل إلى افتراس صهوتها والركوب بين أحضانها لإشباع غرائزه الشعورية واللاشعورية من أجل إثبات ذاته الوجودية وفحولته الرجولية: "تحت جنح الظلام، لاحت لي واقفة أمام باب البيت... بتنورتها القصيرة، وأصباغها الفاقعة... جذبتها من يدها، دون أن أنبس بكلمة....
لم أكن أعرف لم لم أكن استلطفها، ولم أفكر في يوم من الأيام أني سأمتطي صهوتها..هي، أول امرأة أدخلها إلى حياتي، وأول امرأة تدخل جحري...
اجتازت عتبة حجرتي، وفي عينيها سرور، وكأنما تدخل معي إلى معبد... فهي الوحيدة في هذا الحي المقبري، التي تعترف بموهبتي، وتقرأ أشعاري...وكم من مرة ضبطتها متلبسة باختلاس النظر إلي، وأنا أكتب حماقاتي، وهي تنشر الغسيل، فإذا التقت نظراتنا، ندت عنها آهة حارقة، وعضت على شفتها السفلى..أهي مغرمة بي؟"
ويبالغ الحسين زروق كثيرا في نقد الأنظمة السياسية المستبدة الجائرة داعيا إلى استبدالها بالنظام السياسي الإسلامي ولو أدى الأمر إلى تغييرها بالدعوة إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله: "بدأت الحرب...أول المهاجرين كانوا من فئة المثقفين حاملي لواء الكلمة... سخر منهم الشعب...هو كان يعرف أن ثرثرتهم لا تعني شيئا من الشعب وفي غمرة الحرب انبثق مثقفون جدد... صفق الشعب لا لأنهم يستحمون كل يوم ألف مرة ولكن لأنهم يكتبون بالبندقية."
و ينتقد الكاتب أيضا في قصصه القصيرة جدا نظام الحكم الجائر بسبب استبداده وقمعه للحريات الإنسانية الخاصة والعامة، وتماديه في اغتصاب حقوق المواطن الطبيعية والمكتسبة باسم قانون الأهواء والرغبات والمصالح:


" التلميذ: أستاذ...أستاذ...لماذا نرسم الحدود بين دول حضارتنا؟
الأستاذ: لاستنفاذ الأسلاك الشائكة.
التلميذ: ولماذا الأسلاك الشائكة؟
الأستاذ: لأنها تسهم في خلق فرص الشغل.
التلميذ: ولماذا فرص الشغل؟
الأستاذ: حتى لاتقوم الفوضى في البلاد.
التلميذ: ولماذا الفوضى؟
الأستاذ: للإطاحة بالنظام.
التلميذ: ولماذا النظام؟
الأستاذ: لأنها رأس الحربة.
التلميذ: (يفكر ثم يسأل) ألا يمكن كسر هذه الحربة؟
الأستاذ: ( ينظر عن يمينه وعن شماله ويتلعثم) أش ش ش."


وعليه، فالجرأة هي أهم خاصية من خصائص القصة القصيرة جدا، وتنضاف كقيمة جمالية إلى المستوى الدلالي.

كتاب: من أجل مقاربة جديدة لنقد القصة القصيرة جدا ( المقاربة الميكروسردية)

المبحث الرابع: معيار التخطيب:


* مقياس الأسلبة:


من أهم مقومات القصة القصيرة جدا تنويع أساليبها السردية ومستوياتها اللغوية وسجلاتها الكلامية والتلفظية ، والانتقال من الإخبار إلى الإنشاء، واستثمار نظريات الحجاج ونظريات أفعال الكلام ، والاسترشاد بالقدرات التداولية الإنجازية عن طريق تشغيل الجمل الإنشائية الطلبية وغير الطلبية، والاعتناء بالخطاب المسرود والخطاب المعروض والخطاب المذوت.
ويستحسن أن يتفادى الكاتب الأساليب التقريرية المباشرة والكتابات السطحية الفجة، ويستبدل ذلك بأساليب رمزية انزياحية نابضة بالخرق والشاعرية والإيحاء.
وغالبا مانجد كاتب القصة القصيرة جدا يهجن أساليبه السردية منتقلا من السرد إلى الحوار ، ومن الحوار إلى المناجاة الداخلية، كما ينتقل من الأسلوب السامي إلى الأسلوب العامي المنحط الدوني الذي يختلط بألفاظ سوقية وأساليب عامية شعبية مع الإكثار من صيغ القدح والباروديا والمحاكاة الساخرة وألفاظ الجنس ودوال الجسد والعهارة كما في قصة ( خنز) و(السوليما) في مجموعة" الكرسي الأزرق" لعبد الله المتقي.
ويستعمل حسن برطال في مجموعته القصصية " أبراج" لغة شعبية مهجنة وملقحة بالفصحى والدارجة المغربية والعامية المفرنسة والإسبانية الممغربة (البوكاديوس). ويعبر هذا التداخل اللغوي المختلط عن تعدد الفئات الاجتماعية والتراتبية الطبقية والتهجين الواقعي في المجتمع المغربي . كما يحيل هذا التهجين على الصراع الطبقي والتمايز الاجتماعي الذي يتميز بالتضارب بين مصالح الفقراء والأغنياء. ويجسد التهجين اللغوي السخرية والوضع الطبقي وتجسيد القيم الإنسانية كما في هذه القصة:" تزوج برائحة الشحمة في الساطور...فسكن الـگرنة ولازمته الكلاب" .
وتدل اللغة على طبيعة الوضع الاجتماعي وتدني الإنسان في قاع القيم المنحطة:" كان بياض الثلج عاجزا عن تبيض قلبه...وبقع الطلاء الأبيض كذلك...
قلب أسود ووجه أسود كان فأل شؤم على كل من يقابله صباحا
كل الصباغين جاد الله عليهم ب"بريكولات" إلا هو..فرغ
المكان من حوله، التفت يمينا وشمالا حمل سطله المعوج وسلمه الأعرج
ثم غادر" الموقف" ".
وعليه، فالأسلبة من مظاهر بوليفونية القصة القصيرة جدا ومن أهم طرائقها السردية الرئيسة ، وتشترك فيها مع باقي الأجناس الأدبية الأخرى.


* مقياس التبئير السردي:


من المعروف أن كاتب القصة القصيرة جدا يشغل المنظور السردي كما يشغله الآخرون في الفنون السردية الأخرى، فينتقل من الرؤية من الخلف إلى الرؤية " مع" ثم إلى الرؤية من الخارج.
ولكن أغلب القصص القصيرة جدا تستخدم الرؤية من الخلف وضمير الغياب بكثرة من أجل الالتزام بالحياد والموضوعية في نقل الأحداث الخارجية والمشاعر الداخلية. وهذه الرؤية السردية يسميها جيرار جنيت درجة الصفر في الكتابة. وهنا، ينزل الكاتب منزلة الحياد الموضوعي وعدم التدخل داخل عالم القصة، بل يكتفي بالوصف ونقل الأحداث والتعليق والتقويم من خلال فعل السخرية، والتنكيت الملغز.
ومن الأمثلة الدالة على هذا المنظور السردي الذي يعتمد على المعرفة المطلقة قصة( درجة الصفر في الكتابة) لعز الدين الماعزي:" في غرفته وجد نفسه وحيدا ...باردا...
كانت الطفلة تعزف على بيانو...
أسند ظهره للحائط وبدأ يستمع، رأسه يدور...
كان واضحا أن الموسيقى حركت وجدانه،ذكرياته، هي دائما هكذا تسمعه جديد الأنغام الشجية، أحس بذاته تمتلئ إلى درجة أنه فكر في كتابة مواضيع...,طرح أسئلة...بهدوء تام وحذر أخذ القلم وبدأ يكتب...".
وعلى أي، فالمنظور السردي يعتبر مقياسا أساسيا في عملية تخطيب القصة القصيرة جدا وتحبيكها مكانيا وزمانيا.


* مقياس الالتفات:


يلاحظ المتتبع للقصة القصيرة جدا هيمنة ظاهرة الالتفات بشكل لافت من خلال تنويع الضمائر تكلما وتخاطبا وغيابا . ويعبر الالتفات الضمائري عن اختلاف مستويات الرصد الشخوصي وطبيعة التفاعل بين الأصوات المتحاورة في القصة القصيرة جدا. وهكذا، نلاحظ الكاتبة السعدية باحدة تنتقل من ضمير الغياب إلى ضمير المخاطب، ومن ضمير المخاطب إلى ضمير الغياب. بيد أن الالتفات الغيابي هو المهيمن في مجموعتها القصصية: " وقع امتداده...ورحل"":


" فيما مضى، كنت تمارس لعبتك المفضلة
في التزحلق فوق الكلمات
الآن...
صارت الكلمات تمارس لعبتها في
التزحلق من رأسك"


ويبدو أن الالتفات البلاغي من أهم مقاييس معيار التخطيب السردي لمعرفة وجهة الأصوات الساردة أو المتحاورة.

كتاب: من أجل مقاربة جديدة لنقد القصة القصيرة جدا ( المقاربة الميكروسردية)

المبحث الثالث: المعيار البلاغي:




* مقياس الأنسنة:


تنبني القصة القصيرة جدا على أنسنة الأشياء والجماد والحيوانات تشخيصا واستعارة ومفارقة وامتساخا. فتتحول الحيوانات التي تتضمنها القصص القصيرة جدا إلى أقنعة بشرية رمزية تحمل دلالات إنسانية معبرة. وبالتالي، تصبح عوامل سيميائية فاعلة في مسار القصة بأبعادها الإحالية والمرجعية والرمزية.
وهكذا، تتجاوز القصص القصيرة التي يكتبها مصطفى لغتيري الكتابة الحرفية التقريرية المباشرة، ويستعمل بدلا منها لغة التشخيص الاستعاري والمجاز المؤنسن الإحيائي والتشبيه المفسر والانزياح البلاغي وخطاب الترميز من أجل خلق لغة إيحائية شاعرية مؤثرة قائمة على خلخلة المحور الاستبدالي في تقاطعه مع المحور النحوي. ومن ثم، يبحث الكاتب عن الوظيفة الشعرية والمحكي الشاعري لتقريب القصة من الشعر ومن الخطابات القائمة على لغة المشابهة والمجاورة.
ومن الأمثلة النصية على الخطاب البلاغي المنزاح الذي يطفح بالشاعرية المفلقة والأنسنة الاستعارية نصه:" غيمة":


" من أعماق المحيط، انطلقت غيمة داكنة، تبحث عن مكان يستحق ماءها... تواطأت الريح معها، فسحبتها نحو اليابسة.
فجأة لمحت الغيمة قطعة أرض يابسة، قد علا الاصفرار ذؤابات نباتاتها... مبتهجة هرولت الغيمة نحوها، عازمة على ربها...
حين أشرقت عليها...جاهدة حاولت سقيها.. لكنها متأسفة اكتشفت أن طول الرحلة أنهكها، فأضحت سحابة عجفاء شاحبة."
وتتحول الحيوانات في القصص الفانطاستيكية إلى أقنعة رمزية قائمة على الأنسنة والتشخيص الاستعاري والمفارقة الرمزية الموحية كما في قصص السعدية باحدة التي تثور فيها على واقعها البشري المنبطح الذي انحطت فيه القيم الأصيلة واندثرت، وتحول فيه الكائن الإنساني إلى حيوانات لادغة، فامتسخ فيه امتساخ الدناءة والحقارة كما في قصة"عقارب"، وقصة" أين المفر؟"، وقصة "خيبة"، وقصة"نزعة قردية"، وقصة " قارض" التي تتحول فيها الكائنات الآدمية إلى فصيلة القوارض الجشعة:


" هو جرذ من فصيلة القوارض، أصيب بالنهم...أخذ
يقرض...يهرش...يقضم...ينهش...
يقرض ليل نهار، خوفا أن تطول أسنانه، فتصير أكبر
من هيئته، إلى أن أصيب بالغثيان، صار يتقيأ على
موائد الجماعات والجمعيات والتجمعات...
ولا يزال يقرض...ينهش...يقصم... يهرش... إلى أن أصيب بالإسهال...
هو الآن يمارس إفراغ حمولته في مراحض الإذاعات
الشاشات والساحات العمومية...لكي يظل يقرض...
يهرش...يقضم....ينهش...فهو جرذ من فصيلة القوارض
...أصيب بالنهم...أخذ يقرض...."


وعليه، فالأنسنة كما يرى الكثير من الدارسين ونقاد القصة القصيرة جدا أنها من الشروط المميزة لهذا الفن السردي الجديد أو المستحدث في ساحتنا العربية الثقافية.


* مقياس الترميز:




من المعلوم أن القصة القصيرة جدا تشترك مع باقي الأجناس الأدبية في خاصية الترميز وتحول لغة القصة ومعاجمها السردية إلى دوال رمزية وأقنعة سيميائية وإحالات دالة ومؤشرات نصية مفتوحة.
وهكذا، تتسم قصص مصطفى لغتيري مثلا بالخاصية الرمزية التجريدية عبر استخدام لغة العلامات والإشارات السيميائية والدوال الموحية الحبلى بالمدلولات المنطوقة التي تستنبط عبر سياقاتها اللغوية والنصية والذهنية وتستكشف عبر صورها البلاغية القصيرة جدا.
وإليكم نصا قصصيا طافحا بالرمزية التجريدية والانبطاح البشري والامتساخ الحيواني الدال على انهيار القيم الأصيلة وتساقط المثل العليا في العالم البشري المنحط كما في قصة " قرار" :" كان كلبا أنيقا معتزا بذاته... لمح ذات صباح كلبة جميلة، فوقع في حبها..طاردها مدة طويلة، دون أن يقضي منها وطره.
ذات مساء، رأى الكلبة تجامع كلبا بشكل فاضح... اغتم، فقرر، منذ ذلك الحين، أن يصبح ناسكا."
فالحيوانات المذكورة في هذه القصة القصيرة جدا ماهي في الحقيقة سوى أقنعة رمزية تحيل على الكائنات الآدمية الممتسخة ، والذوات البشرية الكلبية التي أصبحت عبر أفعالها المشينة مخلوقات حيوانية جحيمية ملعونة .
وقد تتنوع الرموز في القصة القصيرة جدا إلى رموز طبيعية ورموز فنية ورموز فانطاستيكية ورموز مكانية ورموز لغوية ورموز تاريخية ورموز أسطورية ورموز صوفية ورموز أيقونية ورموز سيميائية.


* مقياس الانزياح:


يعتبر الانزياح من أهم شروط القصة القصيرة جدا ، و تشترك فيه مع باقي الأجناس الأدبية كالقصة القصيرة والرواية والشعر والمسرح. وغالبا ما يتشخص الانزياح في خلخلة التركيب والمعنى، وتدمير الدلالة المنطقية ، و الخروج عن معايير التفضية البصرية المألوفة، مع تخريب الانسجام الإيقاعي.
وهكذا، نجد كاتب القصة القصيرة جدا يشغل أحيانا جملا مركبة تركيبا مألوفا يحترم الرتبة النحوية، بيد أنه تارة أخرى يخلخل الرتبة ويوظفها بطريقة شاعرية انزياحية يتقدم فيها الحال عن الفعل، أو الاسم عن الفعل، أو شبه جملة عن الفعل قصد تحقيق الوظيفة الشعرية السردية واستحصال التخصيص الدلالي و خلق التبئير الموضوعي:


- مخمورا دخل الطفل إلى الفصل؛
- وفي أذن الطفل همست حنان؛
- يقينا أنني كنت أحلم.


ويخضع الكاتب أيضا جمله لخاصية الانزياح النحوي و تخريب رتبة الجملة تقديما وتأخيرا كما في قصة " وحدة ":


" وحيدا ظل العصفور في القفص.. كئيبا لا يسمع له صوت...فكر الرجل ، فاشترى له عصفورة تؤنسه..
حين حلت الضيفة الجديدة، أصبح العصفور نشيطا، لايتوقف عن الحركة، وامتلأ البيت بوصوصاته المسترسلة..
صباحا تأمل الرجل العصفورين، فرأى منظرا بديعا، أدهشه...
لحظتها فقط، أحس بأنه وحيد بشكل فظيع."


ومن الشواهد النصية التي تبين هيمنة الجمل البسيطة في القصيرة جدا قصة الموت:" على هيئة رجل ، تقدم الموت نحو شاب، يقتعد كرسيا على قارعة الطريق...جلس بجانبه، ثم ما لبث أن سأله:
- هل تخاف الموت؟
- واثقا من نفسه، أجاب الشاب:
- لا، أبدا، إن لم يمت المرء اليوم، قطعا سيموت غدا.
بهدوء أردف الموت:
- أنا الموت... جئت لآخذك.
ارتعب الشاب...انتفض هاربا...لم ينتبه إلى سيارة قادمة بسرعة مجنونة، فدهسته".


وعلى أي، فالانزياح من أهم شروط وخاصيات القصة القصيرة جدا، وبه تحقق لنفسها الثراء الإبداعي والشاعرية الحقة ، وروعة التلقي والتقبل.




* مقياس الفانطاستيك:


يعد الفانطاستيك من أهم سمات القصة القصيرة جدا ومن أهم شروطها الخارجية . وبالتالي، ينبني على العجيب والغريب على حد سواء، وقد يثير الفانطاستيك الخوف والاستغراب أو الإعجاب والاندهاش.
وهكذا، نجد القصة القصيرة جدا عند مصطفى لغتيري تشغل خاصية الفانطاستيك من خلال التأرجح بين الغريب والعجيب،واستعمال خطاب التحولات الخارقة التي تعبر عن تداخل الوعي واللاوعي، وتنافر الواقع واللاواقع، والمألوف واللامألوف لتشبيك عالم الغرابة والفانتازيا والامتساخ البشري والحيواني والإشهاد على انبطاح الإنسان أخلاقيا، وانحطاط، المجتمع البشري الذي علبته القيم الكمية والمعايير الرقمية والمادية. يقول مصطفى لغتيري في قصته:" تقمص: " أبدا لم تنطل حيلة الرداء الأحمر على الثور...
أمام اندهاش الجميع، قصد المصارع، وأصابه إصابة قاتلة...
كان الثور يتقمص روح خفاش، قادر على تحديد أهدافه، بالتقاط الذبذبات".
تصور هذه القصة وحشية الإنسان وتحوله من كائن آدمي إلى مجرم يسفك دماء المخلوقات الضعيفة بدون شفقة ولا رحمة ليتلذذ بانتصاره الوهمي الزائف.


*مقياس الإيحاء:


تتسم مجموعة من القصص القصيرة جدا بخاصية الشاعرية وبلاغة الإيحاء ولغة المجاز والتغريب. وترد القصص في شكل قصائد نثرية سماها البعض " أقصودة"؛ لأنها تجمع بين المحكي السردي والخطاب الشعري المتوهج، وقد ترد الإيحائية البلاغية عبر أسطر شعرية موحية ومعبرة تذكرنا بقصيدة النثر:


"اقتلعوا ضرسه وعلموه كيف يأكل بعينيه....
اقتلعوا لسانه وعلموه كيف يكلم الناس رمزا...
لكنهم أبقوا على شفتيه...ليقبل يد الرئيس..."


فهذه الطريقة في الكتابة تشبه القصيدة الشعرية المنثورة الموحية برموزها المنفتحة ، وشاعريتها الخلاقة ، ووظيفتها الشعرية التي يتقاطع فيها المحور الاستبدالي والمحور التركيبي.
وتعتبر مجموعة سعيد بوكرامي:" الهنيهة الفقيرة" زاخرة بالإيحاء الشاعري ونابضة بالصور القصصية الحبلى بمتعة الإبداع الشعري الرائع.


* مقياس الغموض:


تميل بعض القصص القصيرة جدا إلى تشغيل خاصية الغموض الفني والتغريب الإبداعي إلى درجة قصوى من أجل خلخلة عملية التقبل لدى المتلقي العادي وإرباك مفاهيمه الجمالية المألوفة واستبدالها بمفاهيم أكثر حداثة و جدة وجرأة.
ومن النماذج التي تجسد غموض الكتابة القصصية القصيرة جدا مانلفيه عند سعيد بوكرامي من حيث التباس علاماته السردية وتوغلها في التجريد والرمزية الموحية المنفتحة على عوالم نصية ممكنة من الصعب الإحاطة بها وتطويقها دلاليا ومقصديا:" كانوا ثلاثة ورابعهم النحل
تحدثوا عن البحر عن الهجرة وعن الصمت
قطرات صغيرة تلتقي في الليل
لأن الربيع مات ولأن الأزهار ماتت
جاء النحل إلى دخان المقاهي إلى طاولات الموت
يحدق فيها بيأس، يختار عنق الزجاجة وينتحر"


وهكذا نلاحظ أن مرحلة التجريب في القصة القصيرة جدا تعتمد على خلخلة النسق السردي الكلاسيكي التقليدي ، وتنتقل من الإيقاع الكرونولوجي التعاقبي نحو كتابة شعرية رمزية إيحائية تجمع بين المزج بين الأجناس الأدبية وتوظيف الغموض و الانزياح السردي الحداثي.


وتتسم قصص مصطفى لغتيري أيضا بالرمزية والتجريد في التشكيل اللغوي والدلالي؛ مما أوقع كثيرا من قصصه في الغموض الذي يثير صعوبات كبيرة على مستوى التقبل بسبب الانزياح الذهني وكثرة الإضمار الدلالي وإيحائية المستنسخات والإحالات التناصية كما يظهر ذلك في قصة "الخطيئة" التي تشير إلى خوف الطبيعة من الإنسان الذي لا يعرف سوى العنف والإجرام وارتكاب الأخطاء في حق البراءة والطفولة والطبيعة وتدمير المكان:" بخطى واثقة، توجه " نيوتن" نحو شجرة...
توقف تحتها، وطفق يتأمل ثمارها...
أحست تفاحة بوجوده فارتعبت...
ألقي في روعها أنه آدم يوشك، ثانية، أن يرتكب فعل الخطيئة...
حين طال مكوثه، انتفضت التفاحة فزعة، فانكسرت سويقها...
هوت على الأرض، واستقرت هامدة بالقرب من قدميه". .


وتبلغ الرمزية منتهاها عندما يلتجئ الكاتب إلى التفلسف والتجريد الذهني كما في قصة "المرآة" التي تعبر عن الفراغ والخواء الإنساني وانقلاب المواضعات الزمكانية وتغير الإنسان وتعدد وجوهه في صور مفارقة متعددة ومتناقضة. ومن ثم، صارت المرآة تشكو من الإنسان الذي تغير ولم يعد على صورته الحقيقية، فبدأت ترى في وجهها البشاعة والقبح الآدمي والزيف البشري، أي إنها تعلن موت الإنسان الذي تشيأ بفعل غياب القيم الكيفية ورجحان القيم التبادلية الكمية والمادية:" حين تطلعت إلى المرآة، لتتأمل وجهك فيها، أذهلك فراغها. مرتبكا تقهقرت إلى الوراء، فركت عينيك جيدا. من جديد حملقت في صفحتها الصقلية. بصلف تمدد الخواء أمامك.
بعد هنيهة، تبينت حقيقة الأمر: المرآة كانت تتأمل وجهها فيك".
وهكذا، نستنتج أن الغموض مقوما ثانويا من مقومات القصة القصيرة جدا، وتشترك فيه مع باقي الأجناس الأدبية الأخرى.


* مقياس التجريد:




يعد التجريد من أهم خاصيات القصة القصيرة جدا، وينتج عن تجاوز الواقع نحو اللاواقع، وخلخلة المقاييس العقلية المألوفة بمقاييس أكثر غرابة وانتهاكا.
ويعتبر سعيد بوكرامي من أهم كتاب القصة القصيرة جدا الذين نحوا منحى تجديديا ، وذلك بتخريب النسق السردي الكلاسيكي وتشغيل خاصية الاستعارة والتشخيص البلاغي. ويعمد الكاتب بعد ذلك إلى استخدام التجريد بكثرة من خلال تشغيل الرموز الموحية واللغة الشعرية الزئبقية التي تنفلت من كل مواضعات الاصطلاح، حتى إن نصوص الكاتب تتحول إلى لوحات تشكيلية بصرية مجردة تختلط فيها الألوان الباردة مع الألوان الحارة. ومن هنا، يبدو الكاتب في مجموعته المتميزة الرائعة" الهنيهة الفقيرة" شاعرا مبدعا وقصاصا محنكا ورساما متمكنا من أدواته الفنية والجمالية، يحسن التعبير والتشخيص والتلوين وتكثيف الانفعالات وتجسيدها بجمل وصفية مقتضبة موحية مقتصدة في لسعاتها التعبيرية ولدغاتها الفنية.

كتاب: من أجل مقاربة جديدة لنقد القصة القصيرة جدا ( المقاربة الميكروسردية)

المبحث الثاني: المعيار التفاعلي:


* مقياس التناص:


ثمة مجموعة من القصص القصيرة جدا حبلى بالمستنسخات التناصية والنصوص الغائبة والإحالات المعرفية الدالة على الذاكرة والترسبات والمعرفة الخلفية بخطاطاتها الذهنية ومدوناتها الإحالية، بينما هناك في المقابل نصوص قصصية لغوية خالية من الإحالات التناصية ومعدمة بفقرها. بينما يشترط في القصة القصيرة جدا الجمع بين المتعة والفائدة و الإمتاع والإقناع ، وألا تبقى قصة بيانية إنشائية ، بل لابد أن تعضد بحمولات ثقافية ومعرفية.
ويلاحظ أن القصة القصيرة جدا تعاملت مع مجموعة من المستنسخات التناصية ونذكر منها الأنواع التالية:


- المستنسخ الديني كما في قصص الحسين زروق ووفاء الحمري؛
- المستنسخ الرقمي كما عند فاطمة بوزيان في مجموعتها :"ميريندا"؛
- المستنسخ العلمي حكما يحضر في قصة: " الخطيئة" لمصطفى لغتيري؛
- المستنسخ الفلسفي كما في مجموعة" مظلة في قبر" لمصطفى لغتيري؛
- المستنسخ التاريخي كما في قصة :" تهمة" للسعدية باحدة؛
- المستنسخ السياسي كما في قصص حسن برطال؛
- المستنسخ الأدبي كما في قصة:" شاعر" لإبراهيم الحجري؛
- المستنسخ الأسطوري كما في قصة:" بروميثيوس" لعبد الله المتقي؛
- المستنسخ الفني كما في قصة:" الإخراج والإدخال" لمحمد شويكة في مجموعته:"القردانية".
أما عن آليات التعامل مع التناص، فنلاحظ أنواعا ثلاثة من آليات الاستنساخ:
1- الاستنساخ الحرفي؛
2- الاستنساخ الوظيفي؛
3- الاستنساخ الإبداعي.
وإذا تأملنا مثلا قصص الكاتب المغربي مصطفى لغتيري في مجموعته" مظلة في قبر"، فإنها تصدر عن مرجعية ثقافية غنية بالمستنسخات والإحالات التناصية ومعرفة خلفية زاخرة بالحمولات المعرفية الأدبية والفنية والعلمية، إذ استطاع الكاتب أن يصهرها في بوتقة سردية موحية أحسن تحبيكها قصد إيصال رسالته المقصدية . وهذه الخاصية كما قلنا سابقا هي التي تفرد مصطفى لغتيري عن باقي رواد القصة القصيرة جدا. ومن القصص التي تحمل طابعا ذهنيا وثقافيا نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر: بلقيس والمومياء وأبراهام وديانا وعولمة والخطيئة ودخان أسود.... ويمتزج في كتاب مصطفى لغتيري التاريخ بالاقتصاد، والعلم بالأدب، والفن بالفلسفة. وهذا ما يؤشر على موسوعية الكاتب وانسياقه وراء ماهو ذهني وثقافي. لذلك، يستوجب إبداعه متلقيا ضمنيا مثقفا يستطيع أن يفك مستنسخات قصصه وعلاماته التناصية ورموزه اللغوية ودواله المضمرة.
هذا، وتنبني القصة القصيرة جدا في أضمومة " تسونامي" على توظيف التناص والمستنسخات النصية والمقتبسات المعرفية وتشغيل المعرفة الخلفية الداخلية والخارجية من خلال استحضار الأعلام والنصوص اللاواعية والأفكار المخزنة والذاكرة المضمرة والعبارات المسكوكة والصيغ المأثورة والحقول المعرفية عبر قنوات الامتصاص والاستفادة والحوار والتفاعل النصي.
ويعد مصطفى لغتيري من القصاصين الذين يصدرون عن رؤية ذهنية ثقافية يتحكم فيها التناص بشكل كبير من خلال توظيف مجموعة من الإحالات المعرفية التناصية التي تتمظهر في المؤشرات والمستنسخات التالية: أبو العلاء المعري، الكوميديا الإلهية، بورخيس، رسالة الغفران، فان كوخ، دانتي، المعرة، سارتر، سيمون دي بوفوار، زرادشت، نيتشه، بشار بن برد، جورج واشنطن...

كتاب: من أجل مقاربة جديدة لنقد القصة القصيرة جدا ( المقاربة الميكروسردية)

الفصل الثاني:




شروط القصة القصيرة جدا وسماتها الخارجية








للقصة القصيرة جدا مجموعة من الشروط التكميلية والثانوية تتعلق بالتناص والعنونة واستخدام المنظور السردي والتصوير البلاغي والالتفات والمستوى الدلالي.


المبحث الأول: المعيار المناصي:


* مقياس العنونة:


يستخدم كتاب القصة القصيرة جدا عناوين متنوعة لمجموعاتهم الإبداعية، فهناك الأنماط العنوانية التالية:
أولا: عناوين كلاسيكية تتناسب مع مضامينها مثل مجموعة وفاء الحمري :" بالأحمر الفاني"؛
ثانيا: عناوين مفارقة لاعلاقة لها بمضامين المجموعة لامن قريب ولا من بعيد إلا إذا استعملنا مشرح التأويل والانسجام مثل: " مظلة في قبر" لمصطفى لغتيري، و" الكرسي الأزرق" لعبد الله المتقي، و" أبراج" لحسن برطال، و" كيف تسلل وحيد القرن؟!" لمحمد تنفو...
ثالثا: عناوين لها علاقة جرئية بالمجموعة ، أي تشكل جزءا من كل مثل: " وقع امتداه...ورحل" للسعدية باحدة، و" تسونامي" لمصطفى لغتيري..؛
رابعا: عناوين لها علاقة كلية بالمجموعة مثل: " صريم" للحسين زروق؛
خامسا: عناوين رمزية كنائية مثل:" الخيل والليل" للحسين زروق؛
خامسا: عناوين متنية في شكل فراغ صامت أو عبارة عن علامات الترقيم أو أرقام عددية... كما هو حال متون :" أبراج" لحسن برطال أو قصة 151 للسعدية باحدة، أو حروف أبجدية كما هو شأن:" الضفة الأخرى" للبشير الأزمي ،
سادسا: عناوين صادمة وواخزة وغريبة ومجردة كقصص سعيد بوكرامي في مجموعته " الهنيهة الفقيرة" ؛
سابعا: عناوين مباشرة مثل عناوين مجموعة جميل حمداوي:"كتابات ساخرة"، وعناوين وفاء الحمري:" بالأحمر الفاني"؛
وعلى العموم، فعناوين القصة القصيرة جدا هي عناوين رمزية وموحية ومفارقة لاتعبر مباشرة عن نصوصها ومتونها، فهناك علاقات انزياحية غامضة مختلة بسبب خلخلة أفق انتظار القارئ.
فسعيد بوكرامي في مجموعته :" الهنيهة الفقيرة" مثلا لا يكتب قصصا عادية سطحية وكلاسكية ، بل هو يرسم لوحات تشكيلية تجريدية تذكرنا بلوحان بيكاسو وسلفادور دالي ولوحات تكعيبية يكعب فيها الكاتب الأمكنة والأزمنة والبشر المعلبين في الخانات الرقمية والحانات العبثية الضائعة، كما يكتب نصوصا شعرية موحية لا تعبر عن متونها إلا من باب الترميز والإشارة والإيحاء الدلالي والتأشير السيميولوجي.


* مقياس الانفتاح التجنيسي:


يعتبر الانفتاح الأجناسي من أهم خاصيات القصة القصيرة جدا ، حيث نجد هذه الكبسولة القصيرة تستوعب مجموعة من الأجناس الأدبية والفنون المجاورة كتشغيل اللقطة السينيمائية ولمحة الخاطرة وسخرية النادرة ولغز التنكيت والسرد القصصي والروائي والصورة التشكيلية والتوتر الدرامي.
بيد أن أهم انفتاح للقصة القصيرة جدا هو استيعابها لفن الشعر وتوظيف الشاعرية السردية أو ما يسمى عند إيف تادييه Yve Tadié بالمحكي الشاعري. ويعني هذا أن الكبسولة القصصية تنساق وراء الشاعرية الإبداعية بواسطة استخدام القالب الشعري واللغة الموحية والصور الشعرية الانزياحية كما في قصته " الغريب " ( ص: 41) التي تشبه قصيدة شعرية نثرية:


" في بلادنا شجرة وارفة الظلال..
جاء الغريب اشتراها، وطردنا بعيدا،
لنصطلي تحت نيران الشمس الحارقة..
بعد زمنن رحل الغريب..
مبنهجين عدنا إلى الشجرة، فلفحتنا ظلالها الحارقة"


نلاحظ في هذه القصة القصيرة جدا تعدد الأسطر القصصية ذات الطبيعة الشعرية واستعمال التوازي ، وتشغيل المحكي الشاعري من خلال المزاوجة بين صور المجاورة وصور المشابهة، وتوظيف الرموز المكثفة. ومن ثم، فالقصيدة تشبه إلى حد كبير قصائد الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان التي تستدعي فيها الشاعرة خطاب المقاومة والتحدي والصمود والكفاح بكتابة شعرية نثرية قصصية متفاوتة الأسطر والجمل الشعرية.
كما يستند هذا الجنس الأدبي الجديد إلى توظيف مجموعة من الأجناس الأدبية الأخرى كالسينما كما نجد ذلك في قصة :" الإخراج والإدخال" لمحمد شويكة ، وفن الخاطرة كما في قصة سعيد بوكرامي: "السدرة":
" تتوقف:
- لماذا تفتش رسائلي؟
كخطوات غامضة في اتجاه بيت مهجور تأتي.
أتقيأ هنا.اسقط هناك.
- مادخلك أنت بأسراري؟
لاتفتح صدرها لأحد. بنك سويسري تسيجه أجهزة الإنذار. قد تكشف بعضها في جلسة. لكنها مجرد أحلام يقظة مشفرة.
تغادر:
- الولادة لاتنحني في النهار. قد تنام في غسق الخوف. لكنها تصحو، وإن داهمتها الرياح."
-
وتنفتح القصة القصيرة جدا كذلك على الأحجية كما في قصة إبراهيم الحجري:" أحجية":


" حجيتك مجيتك على التي شعرها أصفر، ورأسها أسود، تأكل ولا تشبع. تصد ولاتصد. تقوم والناس نيام. نحب مشي الزحام. نصول وتجول. أكلها بيض الغول. ربيبها نسر وزوجها صقر. تلبس الوهم وتتصيد الهم. حبها عطش وسفرها بطش.
ترى من تكون؟
إذا لم تجد حلا للأحجية، اعط حمارك، واتصل بي على :ohjya@gmail.com"


وعلى أي، فالقصة القصيرة جدا منفتحة على كل الأجناس الأدبية والفنية تستفيد من التشكيل والمسرح وأدب التلغيز والتنكيت والإخبار.

كتاب: من أجل مقاربة جديدة لنقد القصة القصيرة جدا ( المقاربة الميكروسردية)

المبحث السادس: المعيار البلاغي:


1- مقياس الصورة الومضة:


تستند الصورة الومضة إلى التوهج والإبهار والإدهاش واللحظات اللامعة المشرقة عن طريق التأرجح بين صور المشابهة وصور المجاورة والصورة الرؤيا، أي إن الصورة الومضة هي صورة مركبة ومركزة ومختزلة تنبض بالإشراق الروحاني واللمعان الوجداني والتفاعل الحركي.
وتستخدم الصورة الومضة جميع الآليات التصويرية والتشخيصية كصور الانزياح وصور التنكيت والتلغيز مع استثمار الاستعارة والمجاز و صور التشخيص والأنسنة والترميز والإيحاء والتضمين لخلق عوالم تخييلية فانطاستيكية وأسطورية وأجواء كاريكاتورية قوامها السخرية والاستهزاء بما هو كائن والتنديد بالواقع السائد مع استشراف ماهو ممكن ومحال.
ومن نماذج هذه الصورة الومضة قصة: "حريق" لمصطفى لغتيري:" على ورقتها رسمت ضحى نجمة...فجأة اشتعلت النجمة، فاحترقت الورقة... شبت النار في قاعة الدرس...هرب التلاميذ...أخبروا المدير، فنادى رجال الإطفاء.
على عجل أطفئت النار...وجد المعلم يحتضن النجمة، لكنه لم يحترق"
تمتاز هذه الصورة الومضة التي وظفها مصطفى لغتيري بالتشخيص المجازي والمفارقة والانزياح الدلالي والمنطقي.
وهناك قصة أخرى بعنوان:" قوس قزح":
" ارتدت الصبية فستانا أصفر فاقع لونه، يتخلله أحمر زاه...رنت بعينيها النجلاوين نحو المدى البعيد... ارتعش الكون.... خفق قلبه فرحا، ثم مالبث أن ارتسم في الأفق قوس قزح بألوانه الزاهية."
وهذه الصورة نموذج للصورة الومضة المختصرة التي تربك القارئ بدلالاتها الانزياحية وتعابيرها المجازية الخارقة استعارة وأنسنة وإيحاء.


2- مقياس المفارقة:


ترتكز المفارقة على الجمع بين المتناقضات والمتضادات تآلفا واختلافا، كما تنبني على التناقض وتنافر الظواهر والأشياء في ثنائيات متعاكسة ومفارقة في جدليتها الكينونية والواقعية والتخييلية.
وتعتمد كثير من نصوص القصة القصيرة جدا على عنصر المفارقة القائم على التضاد والتقابل والتناقض بين المواقف أو بين ثنائية القولي والفعلي والاعتماد على التعرية الكاريكاتورية والكروتيسك وتشويه الشخصيات والعوالم الموصوفة والأفضية المرصودة بريشة كوميدية قوامها التهكم والباروديا والتهجين والأسلبة والانتقاد والهجاء.
والمفارقة في الحقيقة هي:" عنصر من العناصر التي لاغنى عنها أبدا، وتعتمد على مبدإ تفريغ الذروة، وخرق المتوقع، ولكنها في الوقت ذاته ليست طرفة، وإذا كانت هذه القصة تضحك المتلقي، في بعض الأحيان، فإنها تسعى إلى تعميق إحساسه بالناس والأشياء، ولعل إيجاد المفارقة أن يكون أكثر جدوى في التعبير عن الموضوعات الكبيرة، كالعولمة والانتماء ومواجهة الذات."
وهذه الكاتبة المغربية السعدية باحدة توظف المفارقة التاريخية بطريقة ذكية تحير القارئ برموزها البعيدة والعميقة كما في قصتها:" تهمة":
" تصاعد الدخان من روما...اتهموا نيرون
ماكان نيرون بالكمان مفتونا...
ماكان عاقلا وماكان مجنونا...
اسألوا تاسيتوس فعنده الخبر اليقين:
إن روما هي التي أحرقت نيرون"


ونجد هذه المفارقة في قصص عزالدين الماعزي كما في قصته الساخرة المفارقة" قصص طويلة جدا":


"كلمته ابنته عبر الهاتف عن سر غيابه الطويل عن البيت...قال..
إنه في ندوة ثقافية يشارك بقراءات قصصية قصيرة سيعود بعد ثلاثة أيام...
قالت...
كل هذه الأيام وأنت تقرأ القصص القصيرة جدا...؟؟"


يلاحظ أن الكاتب وظف في قصته المفارقة القصصية الإبداعية عن طريق تشغيل الأضداد: طويلة جدا# قصيرة جدا، غيابه الطويل# قراءات قصصية قصيرة. وتوقع هذه المفارقة دلالات القصة ومضامينها الإبداعية في منطق الاستحالة والتناقض غير المقبول عقليا.


3- مقياس السخرية:


تعد السخرية من أهم المكونات الجوهرية للقصة القصيرة جدا ، وذلك من خلال عمليات الإضحاك والكروتيسك والتشويه الامتساخي والتعرية الكاريكاتورية والنقد الفكاهي والهجاء اللاذع.
ومن يتأمل قصص مصطفى لغتيري وقصص غيره من كتاب القصة الكبسولة كعبد الله المتقي، وفاطمة بوزيان، وجمال بوطيب، وعز الدين الماعزي ،وسعيد بوكرامي،ومحمد العتروس،وسعيد منتسب،ومحمد تنفو، وحسن برطال، ورشيد البوشاري، وأنيس الرافعي، وهشام بن شاوي، وأحمد الويزي، ومصطفى الكلتي، ومحمد عز الدين التازي، وكريم راضي، ومحمد زيتون، ومحمد الكلاف، وميلود بنباقي، ومحمد مفتوح؛ ومصطفى بندحمان... فإنه سيصادف ظاهرة السخرية الناتجة عن المفارقة الصارخة، والانزياح المنطقي، وكثرة الباروديا ، وهيمنة الخلل العقلي، وتكسير المواضعات السائدة ، وتخييب أفق انتظار القارئ، وانقلاب موازين القيم ، وانكسار القواعد السائدة المقبولة ذهنيا وواقعيا أمام اللاعقلانية الضاحكة وحقيقة الجنون.
يقول مصطفى لغتيري في قصته :" وثيقة" :" لأنه يحب الوطن حبا جنونيا، اعتقلته السلطات، واحتفظت به في زنزانة منفردة، خوفا عليه من الضياع.
إنها – اللحظة- تفكر جديا في عرضه في المتحف الوطني".
يعتمد الكاتب في هذه القصة الساخرة على تعيير الواقع المتناقض، والثورة على الوعي الزائف، وإدانة سياسة الاستلاب وتزييف القيم الإنسانية، كما تقوم هذه السخرية على الفكاهة والتنكيت والتهكم والتعريض والتلميح والإيحاء والضحك كالبكاء.
وتتميز قصص حسن برطال بسمة السخرية من الواقع الإنساني الذي انبطح إلى أسفل سافلين، وتقزم فيه البشر وصاروا كائنات ممسوخة بالشر وزيف القيم . ومن هنا تطفح قصص الكاتب بروح السخرية والانتقاد البشع للواقع المغربي بصفة خاصة والواقع العربي بصفة عامة كما في هذا المقطع القصصي الذي يوحي بالعبثية الساخرة والسياسة الماكرة:" تصدع الجدار ثم انهار...وللوقوف على سبب الحادث حمل الخبراء"حجيرة" وبعض العينات من الركام إلى المختبر لدراسة هذه المواد المستعملة في البناء..." .
وتبلغ السخرية وقعها المأساوي في هذه القصة الموحية:" دعته الوكالة البنكية لتصفية حسابها معه....حمل ساطورا وصفى حسابه مع المدير..."


وتلتجئ الكاتبة الزهرة رميج كذلك إلى أسلوب المفارقة والسخرية الكاريكاتورية لتعرية الواقع وانتقاده تعييرا وتحقيرا لبشاعته وحقارته وفظاظته القيمية وانحطاطه أخلاقيا واجتماعيا وإنسانيا كما في قصة: ذوق":


" مل عالم المومسات الذي أدمنه زمنا طويلا.
أراد أن يتزوج امرأة صالحة.أصبح يواظب على مراقبة الفتيات المارات أمام المقهى.
أخيرا، عثر على ضالته. تبعها في تهيب، وقد قرر الكشف عن نيته.ما إن أصبح محاذيا لها، حتى بادرته هامسة:
لا أتجاوز ربع ساعة . والدفع مسبقا.هات المبلغ بسرعة، واتبعني عن بعد".


وهكذا، تعتبر السخرية من أهم المكونات البلاغية للصورة القصصية القصيرة جدا بسبب طاقتها التعبيرية والإيحائية والرمزية.

كتاب: من أجل مقاربة جديدة لنقد القصة القصيرة جدا ( المقاربة الميكروسردية)

المبحث الخامس: المعيار المعماري:


1- مقياس البداية والجسد والقفلة:


تتركب القصة القصيرة جدا من حيث البناء المعماري كما هو معروف من أجزاء ثلاثة أساسية، وهي: البداية والجسد والنهاية. ويلاحظ أن بين هذه الأجزاء علاقات ترابط واتساق وانسجام، فأي إخلال بجزء أو عضو ما، فإنه بلا محالة سيؤثر بالسلب على باقي الأعضاء الأخرى .


أ- البداية القصصية:


ينبغي للمبدع أن يجود استهلال قصته القصيرة جدا، و يختار البداية الموفقة، فيختار لها الأدوات المناسبة للاستهلال أو يدخل مباشرة إلى الأحداث اقتضابا واختصارا وتكثيفا وتركيزا. وعلي المبدع أيضا أن يبتعد قدر الإمكان عن المقدمات الإنشائية المستهلكة أو المجترة ، مثل: ذات يوم، وفي يوم من الأيام، وفي الصباح الباكر...
وترد مجموعة من البدايات في القصة القصيرة جدا، ويمكن تصنيفها بالشكل التالي:


- البداية التأملية: مثل: جلست تتأمل قطعة الحجارة الملساء.
- البداية الشاعرية: يومض البرق، فيشق نوره جليد السواد...
- البداية الحلمية: حليم طفل ككل الأطفال يحلم بسيارة وطائرة وسروال دجين وكاميو مثل كاميو عمه...
- البداية السببية: لأنه جائع... رسم الطفل على الورقة تفاحة...
- البداية الزمانية: عاشرتها سنوات طويلة.
- البداية المكانية: في قمة الجبل كان جالسا جلسة الحكماء.
- البداية الحدثية: خرج عازما على اقتناص حمامة يتلذذ بها حساء.
- البداية الوصفية: الجو هذه الأيام ، شديد التقلب.
- البداية الشخوصية: ما إن ألقى المدير نظرة على الورقة حتى صاح فيه..
- البداية الحوارية: قالت الطفلة الصغيرة وهي تقهقه وتضغط بقوة على يد أمها..........
- البداية الحكائية: يحكى في جديد الزمان وآني العصر والأوان.


ب- الجسد القصصي:


يمكن القول: إن ثمة ثلاثة أنواع من أجساد القصة القصيرة جدا: أولا: الجسد القصصي القصير وينبغي ألا يتعدى بعض الجمل القليلة جدا؛
ثانيا: الجسد القصصي المتوسط قد يتخذ خمسة أسطر أو نصف الصفحة على أكبر تقدير.
ثالثا: الجسد القصصي الطويل الذي يتعدى الصفحة أو يقترب في صياغته الحكائية من نفس القصة القصيرة أو من نفس الرواية أو نفس المسرحية أو الشعر .
ويمكن القول أيضا: إن هناك جسدا قصصيا مقتضبا ومختزلا، وجسدا قصصيا متناميا ومتصاعدا.




ج- القفلة القصصية:


تسمى الخاتمة بالنهاية أو القفلة أو الخرجة، وهي مهمة في تركيب القصة القصيرة جدا، فكثيرا ما نسمع نصوصا في هذا الجنس الأدبي المستحدث، ولا نحس بتاتا بالخاتمة إلى أن يتوقف الكاتب عن قراءة القصة، فنصفق له إما تملقا وإما تشجيعا وإما إشادة.
لذا، لابد أن يجود الكاتب خاتمته ويستحسن أن تكون مفاجئة وصادمة وخيبة لأفق انتظار القارئ، وأن تكون واخزة ومحيرة ومدهشة ومربكة. ويستحسن أن يتجنب الكاتب النهايات المستهلكة مثل: وأخيرا، وفي النهاية...
وللقفة أنماط تركيبية عدة يمكن حصرها في هذه الأنواع التالية:


- الخاتمة الكلاسيكية: أخيرا... كتبت قصة قصيرة جدا.
- الخاتمة الشاعرية: فتتجمع جحافل الأمطار.
- الخاتمة التراجيدية: بحثت عنها في كل مكان، فلم تجدها.
- الخاتمة السعيدة: كانت السعادة تغمرها وهي تنتظر بشوق...
- الخاتمة المفتوحة: أيهما تصدق؟ وحي الليل الجميل أم محو النهار الجارح؟
- الخاتمة المغلقة: يفتح الطفل عينيه خائفا.
- الخاتمة الحوارية: قالت: ما أحببتك إلا لأن في شيئا منك...
- الخاتمة الحدثية: وصفر القطار معلنا وقت الرحيل.
- خاتمة التلقي: هل أغرتك هذه اللعبة؟ مارسها عزيزي القارئ وسترى!
- الخاتمة الزمانية: منذ ذلك اليوم، تعاهدت يده وعقله على أن لا يخضعا أبدا لإرادته.
- الخاتمة المكانية: وبقي وحيدا في تلك الجزيرة الطافحة...
- الخاتمة الوصفية: جندي شاب مفتول العضلات ، حاد النظرات، بجانبه طفلة جميلة تنظر إلى الأرض وهي تمسك بذيل فستانها الأبيض الطويل.
- الخاتمة المضمنة:" أخيرا، سلمت الأستاذ ورقة تحريرها.ارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة وهو يقرأ ماكتبته في أعلى الصفحة بخط عريض أحمر:" باسم الله الرحمن الرحيم، عليه توكلت وهو المعين".
- الخاتمة الصامتة: على إيقاع الضجيج الذي أحدثه أطلت الزوجة من كوة النافذة...قالت...
- الخاتمة الصادمة: يرفض الأكل...يقف.. .برفض الذهاب إلى المدرسة يخرج إلى الشارع يجمع الحجر ويستعد...
- الخاتمة الساخرة: كل هذه الأيام وأنت تقرا القصص القصيرة جدا...؟؟
- الخاتمة الخرجة: آش باغي... باغي قنبولة...بحال اللي كاتبان ف التليفزيون
- الخاتمة الملغزة: جاء الكسال دعك أطرافه جره جذبه ثناه طواه حمله وضعه أسنده كتم أنفاسه أفرغ عليه الماء وخرج التفت وجد نفسه بدون....
- الخاتمة المفارقة: مرة أوقفه أبوه، ضربه (الطفل الصغير) على قفاه، طلب منه النزول...مع تسليمه سوارت كاميو.


2- مقياس التركيب الحدثي:


يمكن الحديث عن أنواع من التركيب الحدثي على مستوى التنامي والتصاعد وتعاقب الأفعال والأحداث سببيا وكرونولوجيا، ومن أنواع هذه التراكيب الحدثية نذكر:


أ - التركيب الدائري:


تتوفر بعض القصص القصيرة جدا على بنية تركيبية دائرية مثل قصة: " تجربة":" فتح باب القفص، فارتعش العصفور، وخرج للتحري، بعد بضع جولات جاع، فبحث عن قفصه"


ب- التركيب السهمي الصاعد:


نجد في كثير من القصص القصيرة جدا البنية السهمية التي تنطلق من نقطة بدائية في الحاضر لتتجه نحو المستقبل عبر مجموعة من الأفعال والأحداث المتعاقبة والمتسلسلة تسلسلا منطقيا وزمنيا مثل قصة الكاتبة السورية ابتسام شاكوش:" تحرر":
" وقفت تخطب على المنابر، حضرت اجتماعات، سارت في مظاهراتـ تحدت، ناقشت، أثارت قضايا، طرحت حلولا... وفي أول سانحة دخلت منزل الزوجية الدافئ، وألقت عبء تحرر المرأة على الأجيال القادمة"


ج- التركيب السهمي الهابط:


لانلاحظ في هذه الحالة تتابع الأفعال، بل نلاحظ تراجعا من الحاضر نحو الماضي هبوطا ونزولا كما في قصة: "فيزا":
" سمع ابنه يقرأ رحلات ابن بطوطة
تذكر وقوفه الطويل أمام تلك الإدارات
وكل تلك الأوراق..
وكل تلك الضمانات...
تنهد بعمق وقال:
- كم كانت الفيزا سهلة!"


وعليه، فهناك أنواع عدة من التركيب الحدثي تستنبط من خلال قراءتنا للنصوص القصصية القصيرة جدا عن عمق ووعي جديين.